عرض المقال :بعض الشباب

  الصفحة الرئيسية » صناعة المتربي

اسم المقال : بعض الشباب
كاتب المقال: محمد بن إبراهيم الحمد

شبابنا ولله الحمد ـ يملكون قلوباً حية ، وعواطفهم تجاه الإسلام وقضاياه قوية ، فقلوبهم تنبض بالخير وتآلفه ، وعواطفهم تفيض بمحبة الإسلام وأهله ، فهذا دأب شبابنا ، حتى ولو كانوا مقصرين في بعض الأمور هذا ومن حق شبابنا علينا أن نعينهم على أنفسهم ، لكي يرتقوا في سلم المجد ، ويسلكوا سبل المعالي والحديث في هذه الزاوية ـ إن شاء الله تعالي ـ سيتناول بعض القضايا التي تهم الشباب ، وسيتطرق لبعض الأخطاء التي يقعون فيها . وحتى لا يشمل التعميم جميع الشباب جاء عنوان هذه الزاوية حاملاً مسمى ( بعض الشباب ) ـ وفي كل عدد ـ إن شاء الله سيكون الحديث عن مسألة أو أكثر من المسائل التي تهم الشباب ، فالله المستعان وعليه التكلان ، فمن الأخطاء التي يقع فيها .

ـ تأجيل التوبة : فبعض الشباب يدرك خطأه ، ويعلم حرمة ما يقع فيه ، ولكنه يؤجل التوبة أو يسوف فيها ، فمنهم من يؤخرها إلى ما بعد الزواج ، أو التخرج ، ومنهم من يؤجلها ريثما تتقدم به السن ، إلى غير ذلك من دواعي التأجيل .


    وهذا خطأ عظيم ، لأن التوبة واجبة على الفور ، فأوامر الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الفور ما لم يقم دليل على جواز تأخيرها بل إن تأخير التوبة ذنب يجب أن يستغفر منه قال الغزالي ـ رحمه الله ـ : أما وجوبها على الفور فلا يُسْتراب فيه ، إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الايمان ، وهو واجب وقال ابن القيم ـ رحمه الله : ـ المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ، ولا يجوز تأخيرها ، فمتى أخرها عصى بالتأخير فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى ، وهي توبته من تأخير التوبة .وقلّ أن تحظر هذه ببال التائب ، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شئ آخر ، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة أخرج ابن أبي الدنيا ـ رحمه الله ـ في قصر الامل عن عكرمة ـ رحمه الله ـ في قوله ـ تعالي (( ويقذفون بالغيب من مكان بعيد )) سبأ 53 قال: (إذا قيل لهم توبوا قالوا : سوف)فعلى العبد أن يعجل بالتوبة ، لوجوب ذلك ، ولئلا تصير المعاصي دائماً على قلبه ، وطبعاً لا يقبل المحو ، أو أن تعاجله المنية مصراً على ذنبه ، ثم إن ترك المبادرة للتوبة مدعاة لصعوبتها وسبب لفعل ذنوب أخرى .  قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ (( إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداءُ في قلبه ، فإذا تاب ، ونزع ، واستغفر صقل قلبه منها ، وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه ، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه ( كلابل وان على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ يا بطاَّل إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير معذور ؟ إلى متى يقال عنك : مفتون مغرور ؟ يا مسكين ! قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور ، أترى مقبول أنت أم مطرود ؟ أترى مواصل أنت أم مهجور ؟ أترى تركبُ النجُّبَ غداً أم أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب القصور ؟ .وقال رحمه الله ـ ما هذه الغفلة وأنتم مستبصرون ؟ ما هذه الرقدة وأنتم مستيقظون ؟ كيف نسيتم الزاد وأنتم راحلون ؟ كم آب مَنْ قبلكم ألا تتفكرون ؟ أما رأيتم كيف نازلهم نازل المنون ؟ فلا يستطيعون توصية ولا إلي أهلهم يرجعون وبعض الشباب يرغب في التوبة ، ولكنه لا يبادر إليها ، مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى ، وهذا خطأ ، فعلى العبد أن يتوب إلى الله ، فلربما أدركه الأجل وهو لم ينقض توبته . كما عليه أن يحسن ظنه بربه ـ جل وعلا ـ وأن يستحضر أنه إذا أقبل على الله اقبل الله عليه ، وأنه ـ تعالى ـ عند ظن عبده به ، قال النبي صلي الله عليه وسلم ( قال الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني ) . ثم إن على التائب إذا عاد إلى الذنب أن يجدد التوبة مرة أخرى وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ فيما يحكي عن ربه ـ عز وجل ـ قال : أذنب عبد ذنباً فقال : اللهم اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى ـ أذنب عبدي ذنباً ، فعلم أن له رباً يغفر الذنب وياخذ بالذنب ثم عاد فاذنب ، فقال : أيْ ربّ اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى ـ اذنب عبتدي ذنبـاً ، فعلم أن لـه ربتاً يـغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ، اعمل ما شئت ، فقد غفرت لك ومعنى ذلك ما دمت تبتلى بالذنب فتبادر إلى التوبة منه غفرت لك بعض الشباب يغفل عن التوبة مما لا يعلمه من ذنوبه فلا تخطر بباله هذه التوبة ، فتراه يتوب من الذنوب التى يعلم أنه قد وقع فيها ، ولا يظن بعد ذلك أن عليه ذنوباً غيرها وهذا من الاخطاء التي تقع في باب التوبة ، والتي قل من يتفطن لها ، فهناك ذنوب خفية ، وهناك ذنوب يجهل العبد أنها ذنوب قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ ولا ينجى من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم من ذنوبه ، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكناً من العلم ، فإنه عاصٍ بترك العلم والعمل ، فالمعصية في حقه أشد ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم : ـ الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة فقال أبو بكر : فكيف الخلاص منه يا رسول الله ؟ قال : أن تقول : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم . فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب ، ومما لا يعلمه العبد وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يدعو في صلاته : اللهم اغفر لي ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنت ، وما أنت أعلم به مني ، إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت .


وفي الحديث الآخر : اللهم اغفر لي ذنبي كله ، دقة وجلهَّ ، وأوله وآخره ، وعلانيته وسره فهذا التعميم ، وهذا الشمول ، لتأتي التوبة على ماعلمه العبد من ذنوبه ، وما لم يعلمه  بعض الشباب تحدثه نفسه بالتوبة ، ولزوم الاستقامة ، ولكنه يخشى لمز بعض الناس ، وعيبهم إياه ، ووصمهم له بالتشدد والوسوسة ، ونحو ذلك مما يرُمى به بعض من يستقيم على أمر الله ، حيث يرميه يعض الجهلة بذلك ، فَيُصِرُ عن التوبة ، خوفاً من اللمز والعيب . وهذا خطا فادح ، إذ كيف يُقَدم خوف الناس على خوف رب الناس ؟ ثم إن ما يرمى به إذا هو تاب إنما هو ابتلاء وامتحان ، ليمتحن أصادق هو أم كاذب ، فإذا صبر في بداية الامر هان عليه ما يلقاه ، وإن حسنت توبته ، واستمر على الاستقامة أجلهَّ من يعيُرَه ، وربما اقتدى به  أضف إلى ذلك أن الإنسان سيذهب إلى قبره وحيداً ، وسيحشر إلى ربه فرداً ، فماذا سينفعه فلان أو فلان ممن يثببطونه ؟


    وبعض الشباب يترك التوبة ؛ مخافة سقوط المنزلة ، وذهاب الجاه والشهرة : فقد يكون لبعض الشباب منزلة ، وخطوة ، وجاه عند زملائه المفرطين ، فلا تطاوعه نقسه على إفساد ذلك بالتوبة ، كما قال أبو نواس لأبي العتاهية ، وقد لامه على تهتكه في المعاصي :


    أتراني يا عتاهي *** تاركاً تلك المـــلاهي                    أتراني مفسداً بألذ *** سك عند الناس جاهي


    ولا ريب أن ذلك نقص في ديانة الإنسان ، وشجاعته، ومروءته ، وعقله .


    ثم إن الشهرة والجاه عرض زائل ، وينتهي بنهاية الإنسان ؛ ولن ينفعه إذا هو قدم على ربه إلا ما قدم من صالح عمله .


    ثم إنه إذا ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ، والعوض من الله أنواع مختلفة ، وأجل ما يُعَوَّض به أن يأنس بالله ، وأن يرزق محبته ـ عز وجل ـ وطمأنينة القلب بذكره ، ومما يعوضه الله أن يرزقه أصحاباً أبراراً يجد عندهم من المتعة والفائدة ما لايجده عند أصحابه السابقين .


    وبعض الشباب يتمادى في الذنوب اعتماداً على سعة رحمة رب العالمين ، فتراه يسرف في المعاصي ، فإذا زجر وليم على ذلك قال : إن الله غفور رحيم ، كما قال أحدهم :


    وكَثِّر ما استطعت من الخطايا *** إذا كان القدوم على الكريم


    ولا ريب أن هذا الصنيع سفه ، وجهل ، وغرور ، فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين ، المفرطين المعاندين ، المصرين . ثم إن الله ـ عز وجل ـ مع عفوه وسعة رحمته ـ شديد العقاب ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين .


    قال ـ تعالى ـ: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) الحجر 49


    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي


    دَرْكَ الجنان بها وفوز العابد


    ونسيت أن الله أخرج آدماً


    منها إلى الدنيا بذنب واحد


    ثم أين تعظيم الله في قلب هذا المتمادي ؟ وأين محبته والحياء منه ـ عز وجل ـ ؟


    فحسن الظن ـ إذاً ـ ورجاء الرحمة والمغفرة إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ، وأما على انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى حسن الظن ، ورجاء الرحمة والمغفرة .


    فحسن الظن ينفع من تاب ، وندم وأقلع ، وبدل السيئة بالحسنة ، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ، ثم حَسَّن الظن بعدها ؛ فهذا هو حسن الظن والأول غرور والله المستعان .


 

اضيف بواسطة :   admin       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 07/02/2010

الزوار: 251


التعليقات : 0 تعليق

« إضافة مشاركة »

اسمك
ايميلك
تعليقك
7 + 1 = أدخل الناتج

المقالات المتشابهة

المقال السابقة
لماذا نطور ذواتنا في تعاملنا مع آبائنا وأمهاتنا ؟
المقالات المتشابهة
المقال التالية
كيف يستفيد الشاب من يوم الجمعة

جديد قسم صناعة المتربي

فضل الصّوم قصة للأطفال)-صناعة المتربي

القائمة الرئيسية

 

 
 

التصويت

 

هل وضعت خطة تربوية لابنائك في الصيف
نعم
لا
حاولت
 
 

القائمة البريدية